صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

43

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

لأنّ الاختلاف فيها يسبّب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشّرع ، وما زالت الصّحابة - رضوان اللّه عليهم - يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون « 1 » . وقال ابن كثير - رحمه اللّه - : أمرهم اللّه - عزّ وجلّ - في الآية الكريمة بالجماعة ونهاهم عن الفرقة ، وقد وردت الأحاديث المتعدّدة بالنّهي عن التّفرّق والأمر بالاجتماع والائتلاف ، وقد ضمن اللّه لهم ( أي للمسلمين ) العصمة من الخطا عند اتّفاقهم ( واجتماعهم ) ، وخيف عليهم ( الخطأ ) عند الافتراق والاختلاف ، فقد وقع ذلك في هذه الأمّة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة ، منها فرقة ناجية إلى الجنّة ومسلّمة من النّار ، وهم الّذين على ما كان عليه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه « 2 » . وقال أبو حيّان : نهي المسلمون ( في هذه الآية الكريمة ) عن التّفرّق في الدّين والاختلاف فيه كما اختلف اليهود والنّصارى ، وقيل : عن إحداث ما يوجب التّفرّق ويزول معه الاجتماع « 3 » . أهمية الاجتماع وحث الإسلام عليه : قال الشّافعيّ - رحمه اللّه - : وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلا أو رجالا فيه الصّلاة : صلّوا فرادى ، ولا أحبّ أن يصلّوا فيه جماعة ، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه . وإنّما كرهت ذلك لهم لأنّه ليس ممّا فعل السّلف قبلنا ، بل قد عابه بعضهم . قال الشّافعيّ : وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنّما كان لتفرّق الكلمة ، وأن يرغب الرّجل عن الصّلاة خلف إمام جماعة فيتخلّف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصّلاة ، فإذا قضيت دخلوا فجمعوا ، فيكون في هذا اختلاف وتفرّق كلمة « 4 » . قال الشّيخ أحمد شاكر - رحمه اللّه - معلّقا على كلام الشّافعيّ : والّذي ذهب إليه الشّافعيّ من المعنى في هذا الباب صحيح جليل ، ينبيء عن نظر ثاقب ، وفهم دقيق ، وعقل درّاك لروح الإسلام ومقاصده ، وأوّل مقصد للإسلام ، ثمّ أجلّه وأخطره - : توحيد كلمة المسلمين ، وجمع قلوبهم على غاية واحدة ، هي إعلاء كلمة اللّه ، وتوحيد صفوفهم في العمل لهذه الغاية . والمعنى الرّوحيّ في هذا اجتماعهم على الصّلاة وتسوية صفوفهم فيها أوّلا ، كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لتسوّنّ صفوفكم أو ليخالفنّ اللّه بين وجوهكم » ، وهذا شيء لا يدركه إلّا من أنار اللّه بصيرته للفقه في الدّين ، والغوص على درره ، والسّموّ إلى مداركه ، كالشّافعيّ وأضرابه . وقد رأى المسلمون بأعينهم آثار تفرّق جماعاتهم في الصّلاة ، واضطراب صفوفهم ، ولمسوا ذلك بأيديهم ، إلّا من بطلت حاسّته ، وطمس على بصره . وإنّك لتدخل كثيرا من مساجد المسلمين فترى قوما يعتزلون الصّلاة مع الجماعة ، طلبا للسّنّة كما زعموا ! ثمّ يقيمون جماعات أخرى لأنفسهم ،

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ( 4 / 159 ) . ( 2 ) تفسير ابن كثير ( 1 / 397 ) . ( 3 ) البحر المحيط ( 3 / 21 ) ، وقد ذكر آراء أخرى في تفسير هذه الآية ، تنظر هناك . ( 4 ) الأم ( 1 / 136 - 137 ) .